م.ح (قضية مدرسة الحياة) 7812-19
أمام لجنة الاستحقاق والتوصيف التعليمي
فهم المقروء في مواجهة فهم المسموع
طلب عاجل لتصحيح خطأ إداري

ساشا فرح جداً بوصولي. كانت لديه أسئلة كثيرة بخصوص التوفير المالي في البنك، وقائمة الأغراض الخاصة بأمه الراحلة، والممتلكات التي ربما تركتها له جدته في أوكرانيا، وبحثه المستمر عن خالته المفقودة. أحب كثيراً استمارة التعارف الشخصية التي أعددتها له، بل وفحصها بعناية وتأكد بنفسه من أنني كتبت بدقة كل ما قاله على لسانه. وأراني بغبطة غرفته الصغيرة ورسوماً جميلة رسمها بيده. وحين رافقني مودعاً إلى بوابة الداخلية، سأله الأطفال الآخرون بفضول عن هويتي ومن أكون؛ وهنا قاطعتهم إحدى المرشدات بلا أي لباقة أو ذوق قائلة إنني "مثل أمه". لا. الأمر ليس هكذا أبداً وليس قريباً من ذلك، فكرت في نفسي بحزن. وعلى ما يبدو هو الآخر فكر في ذلك التفصيل، ربما أكثر مني بكثير؛ لكن كلينا فضّل الصمت ولم نُفصح عما يدور في خلدنا.
ولم أخبره أيضاً بأنني أعلم بكل تفاصيل المأساة؛ بأنه خرج في عطلة عيد الفصح إلى البيت، وخلال العطلة أغمي على الأم فجأة أمام عينيه، وأنه كان هو الشجاع الذي استدعى طاقم الإسعاف، وأنها بعد عمليات إنعاش مطولة ومعقدة أُدخلت قسم العناية المركزة، موضوعة تحت أجهزة التنفس الاصطناعي ومخدرة بالكامل، وفي اليوم التالي مباشرة أُرسل هو رغماً عنه إلى الداخلية، ومن هناك استيقظ ليصل إلى جنازتها. وهو بدوره لم يحكِ لي أيضاً أنه يعلم بأنني أعلم؛ كأننا اتفقنا على الصمت اللطيف.
هو يعلم يقيناً أن الكبار يتبادلون المعلومات السرية وأسرار الأطفال خلف الستار. وربما يسهل ذلك عليه عبء المواجهة في حقيقة الأمر، لكونه لا يحتاج ككل مرة إلى حكاية فصول المأساة من جديد؛ وربما يسهل عليّ أنا الاعتقاد والتوهم بأن ذلك التبادل يسهل عليه. شهور كثيرة لاحقاً، حين صعدنا معاً لزيارة قبر أمه، كشف ساشا لي عما في قلبه وقال بصوت خفيض: "يؤلمني الفراق على جدتي التي توفيت أكثر بكثير مما يؤلمني على أمي". وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الجدة العجوز كانت هي من ترعاه وتحضنه، بينما كان هو الطفل الذي يرعى أمه المريضة ويتحمل مسؤوليتها.
وفي غضون تلك الأيام، جرت أيضاً معركة إدارية شرسة بخصوص توصيف وتنسيب وضعه التعليمي؛ حيث أوصت المرشدة والمعلمة في تقريرهما بنقله كلياً إلى مدرسة للتعليم الخاص مع صفوف صغيرة ومحدودة. أما ساشا، فقد كان يريد باستماتة البقاء في مدرسته العادية وسط أصدقائه؛ لقد مرّ بهزات نفسية كثيرة وعنيفة في السنة الأخيرة، ووجد فقط صعوبة طفيفة في الاعتراف بصعوبته التعليمية أمام الآخرين. وللأسف، انعقدت لجنة التنسيب الأولى دون دعوتي كممثلة له، ودون معرفة رجالاتها أي شيء عن خلفيته الإنسانية المعقدة. كان ساشا حاضراً هناك في الممر، لكنه من شدة الخوف لم يدخل القاعة ولم يتحدث بكلمة.
طالبتُ بإصرار قانوني بعقد لجنة استماع أخرى، وشرحت لساشا كم هو مهم ومصيري أن يحضر بنفسه إلى قاعة اللجنة، وأن يتحدث فيها بلا خوف، وأن يعترف أمامهم بوجود صعوبات تمنعه من القراءة في البداية، وأنه بحاجة حقيقية للمساعدة وينوي صادقاً الاستعانة بها ليتطور. وفي الليلة التي سبقت انعقاد اللجنة، أصبت بفيروس بطن فظيع ومفاجئ؛ لم يفد معي حتى المحلول الوريدي في المستشفى، ولم يكن هناك أي احتمال جسدي لأصل إلى مقر اللجنة. عندها رتبت إجرائياً لأن يتم رفع اتصالي عبر مكالمة هاتفية مؤتمرة ومسجلة؛ وجمعت كل ما تبقى في جسدي من قوى وتحدثت بصوت جهور؛ قلت للمجتمعين إن كل خيارات الدمج والتعزيز المدرسي لم تُستنفد معه بعد، وأنه حسب التقارير والتشخيص النفسي لا توجد أي دواعٍ طبية أو تربوية للتنسيب في أطر التعليم الخاص. وطلبت بقوة السماح لساشا بالتحدث، وأن يُستمع إلى صوته الحر.
بعد مرور نصف ساعة فقط على انتهاء اللجنة، اتصل بي ساشا ونبرته تكاد تطير من الفرح: "لقد دخلت وتحدثت أمامهما! وقرروا إبقائي في التعليم العادي!" وأخبرتني مركزة اللجنة لاحقاً بكثير من التأثر أن ساشا عانقها بحرارة وفرح شديد فور صدور القرار.
ومن تلك اللحظة المجيدة، بدأ العمل الحقيقي واليومي؛ وجدتُ لساشا معلمة خصوصية متخصصة في مجال التعليم العلاجي والتصحيحي. وحين سألته المعلمة في اللقاء الأول عما يحتاج المساعدة فيه تحديداً، أجاب فوراً وبلا أي مواربة: "في القراءة والكتابة"، دون أدنى خجل أو تردد. وحين سألته عما يثير اهتمامه ويحبه لكي يتم جلب نصوص قراءة ملائمة لشغفه، أجاب بعفوية: "البحر، كرة القدم، والحيوانات". وبعد مرور عام كامل من الجهد المشترك، كان ساشا يعرف فعلاً كيف يقرأ ويكتب ببراعة عن أسرار البحر، وعن مباريات كرة القدم، وعن عالم الحيوانات.






















