س.ح (سيرة حياة) ⁦653-87⁩

اللجنة الاستشارية لشؤون حقوق التأليف والنشر

نهاية مغلقة في مواجهة نهاية مفتوحة

طلب الحفاظ على الحق في تمام وكمال العمل الفني

مئيرا

إن تخطيط نهاية الحياة ليس مجرد توقيع جاف على أوراق رسمية، بل هو النظر إلى الموت مباشرة في عينيه والقول له بثبات: "أنت حتمًا ستأتي، ولكن بشروطي أنا". هذا الموقف يتطلب شجاعة فائقة وصفاء ذهنيًا لا نُطالب بهما عادة في فترات العمر الأخرى، وخصوصاً حين يكون الإنسان مجردًا من السند ووحيدًا في عاصفة الأيام.

كانت مئيرة امرأة وحيدة بلا عائلة أو معين. لم يكن لديها أطفال يمسكون بيدها في لحظات الضعف، ولم يكن لديها أحفاد يتنازعون خلفها على تركة أو ميراث. كان بإمكان هذه الوحدة الطاغية أن تكون نقطة ضعف قاتلة، لكنها بحكمتها حولتها إلى حصن منيع من الاستقلال والسيادة.

حين جلسنا معًا لنصيغ التوكيل المستمر، لم يكن المال محور حديثنا قط؛ بل كنا نتحدث عن الكرامة الإنسانية. أرادت مئيرة أن تتأكد تمامًا من أنه إذا خانها عقلها يومًا ما، فلن يجبرها أحد على تناول أطعمة تبغضها، ولن يجرؤ أحد على إطفاء الموسيقى التي تعشقها. وبإبرة خفية، نسجنا دقات قلبها وتفاصيل روحها داخل تلك الصياغات القانونية الجافة: من سيرعى نباتاتها المنزلية، وماذا سيؤول إليه مصير أعمالها اللوحية والفنية، وما هي العلاجات الطبية التي تقبلها أو ترفضها، وأين تحدد مكان رقدتها الأخيرة لتدفن.

إلى جانب ذلك، كانت المعركة أمام مؤسسة التأمين الوطني تحمل حساسية من نوع خاص؛ فمن جهة، يتطلب القانون إثبات تبعيتها الوظيفية وحاجتها للدعم، ومن جهة أخرى، كانت مئيرة، بكبرياء أصيل ينتمي لجيل العمالقة، تصر على إظهار العكس تمامًا - أنها لا تزال قادرة وقوية. حاولتُ جاهدة مرافقتها في اتخاذ قراراتها، لكي تكون مستعدة ومتقبلة لتلقي المساعدة القانونية والاجتماعية التي تستحقها، دون أن تشعر للحظة واحدة بأنها تفرط في كرامتها أو تفقد عزة نفسها.

لاحقًا، في اللحظة التي وقعت فيها على وصيتها الأخيرة، تنفست الصعداء بعمق. وقالت بصوت مرتعش لكنه يحمل نبرة ثابتة ومرحة: "الآن فقط، يمكنني أن أبدأ في العيش حقًا". يبدو أن هناك سرًا مهدئًا في معرفة أن هناك شخصًا في هذا العالم سيحترم رغبتك الصامتة، وأن هناك مستندًا مكتوبًا سيضمن أن صوتك سيظل يتردد ويُسمع حتى بعد الرحيل، وهذا تحديدًا ما منحها الأمان الكامل: أن تنهي الفصل الأخير من قصة حياتها بصفتها البطلة المطلقة للرواية.