ق.ف.م (قضية فقدان متراكم) ⁦66741-07-23⁩

أمام المحكمة العليا للأسى والشَّجَن

ثكلٌ في مواجهة ثكل

طلب لَمّ شمل عائلي

رعوت وأخواتها

فَقَدْنَ كل شيء تقريبًا في يوم واحد. إحداهنَّ فقدتْ زوجًا، وأخرى فقدتْ ابنةً، وثالثةٌ استردّتْ ابنًا مقعدًا، وكلهنَّ فَقَدْنَ أبًا. ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، باتَ الفقدان شاخصًا في كل زاوية من زوايا الروتين، وفي كل ركن من أركان البيت، ومع كل زفير وشهيق. كل واحدة منهنَّ تحمل ثكلها الخاص، وتجرّ ندبتها المفردة، لكنهنَّ جميعًا يتكئنَ الواحدة على الأخرى كبنيان مرصوص كيلا يَنهرنَ.

كان يتعيّن عليَّ محاولة إحداث ترتيب قانوني وتفكيك طلاسم الوضع لهذه العائلة بأكملها، لعلّي أدرك من أين نبدأ. حقوق، مخصصات، منح، وإعفاءات. أرامل، وأيتام، وآباء، وذوو احتياجات خاصة. لكل فرد فئة تصنّفه، وفي بعض الأحيان أكثر من فئة. كل لجنة طبية، وكل استمارة جافة، وكل مستند رسمي طالبتْ منهنَّ إعادة صياغة وتعريف ما لا يمكن للعقل البشري استيعابه أو تصوّره. والحقيقة أن الميكانيكية البيروقراطية، الدقيقة والباردة بطبعها، لم تُصمَّم قط لكي تتسع لهذه الشدّة الهائلة من الفقد المتفجر. فليست هناك لغة قانونية (أو أي لغة على وجه الأرض) قادرة على اختزال واختصار شوق يمزق نياط القلب ليلاً، أو كبح ذلك الشعور الطاغي بأن العالم كفَّ منذ زمن بعيد عن كونه مكانًا آمنًا.

وفي أوقات كثيرة، كنتُ أجد نفسي واقفةً عاجزةً عن التقويم أو الإصلاح. كنت أصغي فحسب دون أن أملك في جعبتي ما يقال. حاولتُ مشاطرتهنَّ هذا الصمت المطبق والإمساك به معهنَّ، حتى حين كان طعم الصمت لا يُطاق. رأيت كيف يعشنَ مع ألم مسترسل بلا نهاية، وفي كنف قصة أبتْ فصولها أن تُغلق، بينما يمضي العالم الخارجي في دربه كأن شيئًا لم يكن.

لكنني، وقبل كل شيء، وقبل أي شيء آخر، اكتشفتُ بطولة الحياة الحقيقية كامنةً في تلك اللحظات الصغيرة، الرمادية، والاعتيادية. البطولة المتجسدة في مجرد اتخاذ القرار الصارم والمقدام بعيش الحياة بكامل تفاصيلها وعنفوانها، كل واحدة على طريقتها الخاصة. وكل واحدة بنورها البازغ الخافت، وهو يشق طريقه بعناد من بين الظلال الكثيفة.