ق.ف (قضية فقدان) ⁦19523-15⁩

أمام محكمة الجنايات الكبرى.. الوجدانية

"أنا بخير" ضد "هذا ليس بخير"

طلب إبطال "تسوية التظاهر بالتأقلم"

دانييلا

تعرفتُ على دانييلا في أروقة المستشفى. كانت بحاجة إلى عملية جراحية عاجلة، ولم يكن هناك وليّ أمر يوقّع على نموذج الموافقة. أباها لم تلتقِ به قط، وأمها توفيت، وهي نفسها تنقلت لسنوات بين الأطر المؤسسية منذ أن كانت في الصف الثالث.

أثناء الانتظار للعملية تسنى لنا أن نتعارف. كانت تمتلك صبراً هائلاً على الانتظار، دون تذمر أو شكوى، رغم أنها كانت جائعة وصائمة منذ الليلة السابقة. بعد العملية عانت من آلام حادة. كنت بجانبها حين استيقظت من البنج، ورويداً رويداً استعادت عافيتها.

لاحقاً، بدأتُ أضع علامات الصح على قائمة مهامي القانونية: منحة وفاة، مخصصات الأيتام، مخصصات الطفل المتروك، نفقة معيشة لليتيم، مخصصات الأطفال. خضنا أيضاً معركة شرسة مع شركة الإسكان العام، لتسمح لأخيها، الذي يخدم كجندي مغترب، بالسكن في شقة الأم المتوفاة، ليكون لدانييلا بيت تؤوي إليه في الإجازات.

كان هذا يرتدي أهمية بالغة لدى دانييلا بصورة خاصّة، لأنها رفضت تماماً أي علاقة طويلة الأمد مع عائلات حاضنة. فضلت البقاء في الداخلية لأنها كانت تقول: "ليس هناك أحد في العالم يستطيع حقاً أن يحتل مكان أمي، وأنا لا أريد أيضاً أن يحاول أحد". ويبدو لي أنا أيضاً أحياناً أن كل المهنيين والداعمين في العالم كله - الأخصائيين الاجتماعيين، المعالجين النفسيين، العائلات الحاضنة، المرشدين، المعلمين والمربين - لا يستطيعون ردم الفجوة السحيقة التي تنشأ حين يختفي الوالد ولا يعود موجوداً.

يبدو أن أخت دانييلا الكبرى شعرت بالشيء نفسه تماماً. فبعد سنتين بالتمام والكمال من وفاة الأم، أقدمت على الانتحار. وجدتُ نفسي أركض يميناً وشمالاً لترتيب كل شؤون الدفن ومراسم العزاء، وبالطبع حرصتُ على البقاء ملتصقة بدانييلا، واصطحابها إلى الجنازة ومعانقتها عند قبر أختها الحبيبة.

بعد ثلاثة أشهر، طلبت النيابة العامة موقفها بشأن صفقة إقرار بالذنب (تسوية ادعاء) للسائق الذي قتل أمها في حادث طرق. وجدت دانييلا صعوبة بالغة في تقبّل هذه التسوية. لقد انتظرت أكثر من سنتين لتحقيق العدالة، وتجرعت خيبة أمل مريرة حين اكتشفت أن من سلب حياة أمها لن يقضي عقوبة السجن الفعلي.

كتبتُ باسمها للقاضي أنه لا توجد عقوبة في العالم كله تستطيع أن تعيد لها أمها أو تخفف ولو قليلاً من وطأة الألم. وأنه حتى لو لم يقصد السائق إيذاء الأم، فإن أفعال الإهمال والتقصير التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح يجب أن تنال جزاءً وفاقاً وعقاباً ملائماً. كنت أعلم أن رسالتنا لن تغير شيئاً في صفقة الادعاء؛ فعالم القانون يمضي على عاداته الجافة.

أما عالم دانييلا، فتقوده هي بنفسها. فتاة ذات تكيّف عالٍ، أو "تكيّف مفرط" كما يقال. حصانة نفسية مزيفة. هكذا يُسمون الأطفال الذين يمرون بالجحيم، لكنهم يبدون في الظاهر "بخير"، دون سلوكيات انفجارية مرئية (Acting Out)، ودون إحداث مشاكل. نوع من فرض السيطرة على عالم يتفكك من حولهم.

نحن الكبار لدينا ميل غريزي لتفويت هؤلاء الأطفال والتعامي عنهم، لأنهم يشدون انتباهاً أقل. إنهم يبثون لنا رسالة صامتة: "لا تقلقوا عليّ، أنا بخير". وهم يتدبرون أمورهم بالفعل، لكنهم ما زالو بحاجة إلى من يهتم بهم ويقلق عليهم، ليس أقل من أي شخص آخر.