ت.إ (التماس إنساني) ⁦55871-11-19⁩

أمام لجنة الإفراج المبكر.. المبكر أكثر من اللازم

دون سن الرشد في مواجهة سن الرشد

طلب مصادرة رخصة الحرية

أفيحاي

كان أفيحاي في الثامنة عشرة من عمره. تماماً في السن التي يُرسم فيها خط حاد بين الطفولة والبلوغ، بين محكمة الأحداث ومحكمة الكبار. قوانين مختلفة، ومستوى مسؤولية مغاير. بين عشية وضحاها ينقلب الوضع القانوني، حتى لو لم يتغير أي شيء في الداخل.

كان ابناً وحيداً لوالدين يعانيان من اضطرابات نفسية. يتيم الأب منذ سن الثالثة عشرة. تنقل بين المؤسسات منذ سن الثانية عشرة. تعاطى المخدرات منذ سن الرابعة عشرة. عندما التقينا، كان غارقاً حتى أذنيْه في دوامة المخدرات والجريمة، في مطاردة يائسة لسكينة لم يعرفها قط حقاً.

يبدو أنه وحدها جدران السجن أشعرتْه بأن هناك ما يمسكه من الانهيار التام. للجدران الخارجية للسجن قوة واضحة: فهي تقيد، توقف، وتردع. أحياناً تخلق أيضاً وهماً بوجود جدران داخلية. لكن في السجن لا تكاد توجد فرصة لعمل حقيقي على جدران النفس. الجدران الخارجية تحمي بالأساس الناس في الخارج، لا الإنسان الذي في الداخل.

وصلنا إلى لجنة الإفراج. على الورق كانت هناك خطة مرتبة: مأوى، علاج فردي، فحوصات بول، مجموعات دعم، مرافقة وإشراف مستمر. كان هناك أمل حذر، لكن الأمل ليس بديلاً عن القوى الذاتية، وحين تكون هذه القوى متشققة، فإن الخطة المحكمة ليست ضمانة للنجاح.

في البداية نجح الأمر. اندمج، حافظ على التواصل، حاول. ثم جاءت الإجازات. اللقاء مع البيت، مع الذكريات، مع الفراغ، مع العدم. انكسر أفيحاي. عاد إلى المخدرات. طلب المساعدة ثم تراجع. وافق على إطار ثم فر. دخل المصحة ثم لُفظ منها. عاد، وذهب، واختفى.

اتصل بي مرات عديدة، يتنهّد ومكرراً: "لم تعد لديّ قوة".

في البداية طلب أن أساعده في الاندماج ضمن إطار. ثم طلب العودة إلى السجن. هناك، هكذا بدا، شعر بأنه محتضن ومحميّ أكثر.

رويداً رويداً ظهرت علامات أخرى. كلام في الفراغ. نظرات شاردة. لحظات لم يكن واضحاً فيها إن كان هنا أو في مكان أخر تماماً. بدأت التشخيصات تصوغ ما كان محسوساً سلفاً - تفكك الآليات النفسية. ربما اضطراب نفسي في طور التطور، ربما نتاج لتعاطٍ للمخدرات، وربما مزيج من الاثنين.

في نهاية المطاف، أُبطل الإفراج عنه. وأُوقف لاستكمال قضاء عقوبة السجن. في البداية أُدخل إلى زنزانة يُطلق عليها اسم "المركبة الفضائية" - وهي زنزانة عزل مخصصة للمساجين المعرضين لخطر الانتحار. ليس لأنه طلب الموت، بل ببساطة لأنه لم يكن أحد يدري أين يضعه. وفقط بعد توجهات حثيثة ومتكررة، نُقل إلى سجن "مَجَن"، وهو سجن مخصص للمساجين الذين يعانون من صعوبات نفسية جمة.

كم تمنيت له الخير! ليتني استطعت أن أملك القدرة نيابة عن إنسان آخر. أحياناً يريد الإنسان بشدة، لكنه لا يستطيع. أحياناً يطلب المساعدة، لكنه لا يدري كيف يستعين بها. أحياناً يحتاج إلى يد ممدودة، لكن تنقصه القوة ليمسك بها.

وأحياناً، التأهيل ليس مجرد مسألة خطة سليمة أو فرصة مناسبة. أحياناً يكون التأهيل مزيجاً نادراً من توقيت، وقدرة، ونضج، وشرارة إيمان. مفترق طرق واحد محدد، يكفي فيه اختيار صغير واحد لتغيير الاتجاه والانفتاح على المزيد والمزيد من مساحات الاختيار، خارج جدران القلب والحجر وداخلها.