نعمة

مديرة الصندوق

"عندما يتحمل الناس المسؤولية عن حياتهم، فإنهم يصلون إلى مكان آخر، وينقلون ذلك للأخرين."
نعمة

منذ طفولتها، رأت نعمة العالم كلوحة قماشية عملاقة. أحسنت رؤية تفاصيل فاتها الآخرون: خطوط محيطة، ملامح وجوه، ألعاب النور والظل. في البلدة الصغيرة بالجليل الأعلى حيث نشأت، على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية، نسجت الإبداع، الطبيعة والحرية كأرض خصبة لأنشطة إثراء لكل من رغب. لاحقًا درست الفنون والتربية الخاصة. ولم يكن فنها مجرد رسم، بل كان طريقة حياة. وكما تعلمت من معلم أخبرها: "كما ترسم هكذا تطبخ وهكذا ترتب المنزل." تتحدث نعمة بالألوان، ترسم مخططات وتلمس الناس كفرشاة على قماش من الحرير.

في عملها الاجتماعي على مر السنين، قادت مجموعات شباب وطلاب، نظمت مؤتمرات ولقاءات، كمن تربط النقاط بعضها ببعض: ترى إمكانيات، تسحب خيطًا، وترسم علاقات لها حياة خاصة بها. وفيما بعد أضافت أدوات مهنية، فدرست التدريب الشخصي (Coaching) والاستشارة التمهيدية من منطلق رغبة في لمس الإنسان عبر آفاقه المستقبلية.

"بالنسبة لي، الفن هو القدرة على لمس إنسان آخر."

الآفاق مهمة لها بشكل خاص، لأنها تعلم جيدًا كيف يشعر المرء عندما يقوم شخص ما بتضييقها عليه. كيف يشعر حين تغلق جدران البيت، وحين تجرح الكلمات بقسوة لا تقل عن الأفعال. هي تعرف تلك اللحظة التي تتساءل فيها امرأة عما إذا كانت حياتها ذات قيمة، وما هي اللحظة التي تقرر فيها أن نعم. وهذه التجربة، المؤلمة والعميقة، تحولت بالنسبة لنعمة إلى بوصلة.

حين بدأت تعمل وتطور صندوق المساعدة وتدعم تأسيس مركز بيلس، تجولت داخل مجمع تاريخي تشربت جدرانه عقودًا من العمل. شعرت أنها تدخل في قصة تمتد أبعد من الزمن، لم تبدأ بها ولن تنتهي بها. بين آثار القدس، على طبقاتها العديدة، وديناميكياتها المشحونة وتناقضاتها البارزة، تقود نعمة عملاً، فرقًا، وأحلامًا.

"أتلقى عبارات الشكر أحيانًا من أخصائيات اجتماعيات يوجهن إلينا نساءً عربيات، يهوديات، متدينات، مسلمات، من كل الأنواع، وتلقي تلك الردود يبعث الدفء في القلب."

في إطار المساعدة متعددة التخصصات، هي تعلم أن عملية الإنسان هي رحلة متعرجة مليئة بالمفترقات والمحطات. تذكر نفسها ومن حولها: "نحن مجرد مرحلة في رحلته". وكل معلم طريق في مسيرة الآخرين، يُحفظ في قلبها كخريطة طريق. كان هناك شاب يأتي مرارًا وتكرارًا - طويل القامة، نحيف، يرتدي أسمالاً رثة، بشعر أشعث وعيون رأت أكثر بكثير مما ينبغي. اضطراب ما بعد الصدمة من الخدمة العسكرية. اللقاءات معه كانت فوضوية: حديث سريع، قفزات من موضوع لآخر، وأحيانًا صرخات وانفجارات. تعلمت نعمة أن تتركه يكون على طبيعته، أن تمنحه كوب قهوة، أن تنصت إليه وتتحدث معه على مستوى العينين. وفي يوم من الأيام، بعد فترة طويلة لم يضر فيها، جاء للبحث عنها. لم تصدق عينيها: حضر نظيفًا، هادئًا، مرتبًا، لغاية واحدة فقط: أن يقول شكرًا. شكرًا لكونها كانت هناك ولم تتخلى عنه حتى حين تخلى هو عن نفسه.

"الأمر ليس مجرد مساعدة عملية، بل هو أبعد من ذلك بكثير. الحضور. النظر إلى الإنسان على مستوى العينين، وإعطائه شعورًا بأنه إنسان، صحيح أن لديه صعوبات، لكن لديه القدرة."

هكذا هي نعمة: خيط دقيق من النعمة واللطف يحسن إمساك أشخاص غير متأكدين مما إذا كانوا يستحقون المساعدة. في عالم يسرع في إصدار الأحكام، أبطأت هي السرعة. في عالم يسرع في التخلي، ترسم هي - إمكانيات. مثل تلك المرأة المسنة بلا مكانة، بلا إمكانية قانونية للعمل، بلا مجتمع داعم، والتي توجهت إليها في أيام كورونا. بدأت نعمة بالأمر الأكثر أساسية: الطعام. ثم وجدت متطوعة قادرة على دعمها. ثم جاء التواصل مع الرفاه الاجتماعي. لاحقًا حتى عمل أونلاين. وعندها حدث ما لم يكن بالحسبان: تلك المرأة التي وصلت خاوية القوى، بلا حقوق أو أفق - بدأت ترسل تبرعات، مبالغ رمزية لكنها مليئة بالمعنى، كلمات شكر. امرأة أخرى، هادئة ومترددة، وصلت وكشفت عن علاقة عنيفة. سارت معها نعمة خطوة بخطوة، أحيانًا إلى الأمام وأحيانًا للوراء، لكن بعد ثلاث سنوات أصبحت المرأة متعافية، قادرة على إدارة حياتها، وتطلب: "إن وصلت إليكن امرأة في الحالة التي كنتُ عليها... فأخبريها أنها قادرة على التحدث معي."

فبالنسبة لنعمة، ليس هناك من يعطون ومن يتلقون، بل كلنا كلاهما معا. وأحيانًا، تحديدًا من وصل إلى القاع هو من يفهم أفضل كيف يمد يدًا. وحين تمد نعمة يدها، تلاحظ فورًا الخطوط العريضة للحل وملامح وجوه التغييرات. هي ترتاح في اليقين بأن التحفة الفنية المبهرة تحتاج إلى لمسات من النور والظل، وأن الفن الحقيقي يُصنع - بينهما.

"أحيانًا وسط العمل، لا ينتبه المرء لمدى أهمية العمل وكونه يغير الحياة، لكن حين ينتبه المرء لذلك - يكون الأمر مشجعًا للغاية."