عصام

محامي

"هذا هو دورنا: أن نمتص أكبر قدر ممكن من ألم الآخرين، وأن نحاول المساعدة، وأن نستثمر حتى النهاية، بقدر ما نستطيع."
عصام

هناك أرض تُنبت أناسًا جذورهم راسخة فيها لعدة أجيال. أناس مثل عصام، الذي نشأ في بيت ثابت ومتواضع في كفر ياسيف بالجليل الغربي. والده - معلم لغة عربية وتاريخ. وأمه - أول مصففة شعر في القرية، رائدة في طريقها عملت بيدها وبشجاعة في مهنة لم تكن مفتوحة للنساء حينها. في سن العاشرة زار الكنيسة المحلية مع أخته، وأشعلت تلك الزيارة في داخله قبسًا إيمانيًا جديدًا، نارًا داخلية لم تنطفئ قط. منذ ذلك الحين أصبحت إيمانه هو هويته، وهو أمر ليس بديهيًا لمن يحمل هويات متعددة: عربي، مسيحي، فلسطيني، إسرائيلي. في الخارج يسألونه: "إذن أنت إسرائيلي أم فلسطيني؟" وفي الداخل يفترضون الكثير بسرعة كبيرة بأنك إذا كنت عربيًا فحتماً أنت مسلم وإذا كنت مسلمًا فحتماً أنت خطير. غير أن هوية عصام متجذرة جيدًا في إيمان يجاوز سياسات الهويات، وكل مركبات هويته الأخرى ما هي إلا دوائر تحيط بها.

في مركز بيلس شعور بالتقاء المحورين اللذين يتحرك بينهما في حياته: المهنة والقلب. العدل والرحمة. عمل هو في الوقت ذاته مساعدة. تحديات هي أيضًا محطات. بالنسبة له، بيلس هو إجابة لأسئلة كثيرة، لكثير من الناس، ونموذج مثالي. وعندما يتحدث عن الأشخاص الذين التقى بهم، يتأثر كأنه يلتقي بهم الآن من جديد.

"رأيت أن لكل الناس نفس المشاكل، وأن المشاكل لدى الشعوب المختلفة هي ذات المشاكل."

وصلت (ج.) مذهولة، مرعوبة، متألمة، مع خطر ملموس وتهديد مباشر على حياتها لمجرد أنها اختارت أن تؤمن بإيمان يختلف عن الدين الذي وُلدت فيه. في تلك الأيام، كان الطاقم صغيراً جداً، يكاد يكون بلا موارد - ولكن مع الكثير من الإيمان الإبداعي والمعرفة العميقة بالأنظمة. لقد تنقلوا في حقل ألغام: توجهات لمسؤول التنسيق والأمم المتحدة، بحث عن مأوى مؤقت، دعم اجتماعي، تنسيق بين الخبراء، ربط من كل الاتجاهات. منظومة إنقاذ حقيقية ومرافقة استمرت لأكثر من عام. وفي النهاية، بعد سباق مع الزمن - نجحوا في إطارتها بطائرة نحو بر الأمان. "مكتب محاماة تجاري كبير كان ليتقاضى على ذلك ثروة طائلة ولما فعل شيئًا مما فعلناه"، يقول عصام. بخلاف عالم القانون التجاري حيث تُقاس النجاحات بالوضع المالي والمكانة، فإنه عند عصام، النجاح هو الكرامة التي تعود للإنسان، والأرض الصلبة التي يقف عليها، والراس المرفوع، والطاقم الذي يعمل بتناغم.

"مجرد أنك تساعد الناس، وتظهر محبة الله، فهذا بحد ذاته نجاح بالنسبة لي."

أما (ل.) فقد وصلت إلى المركز مع خوف ملتصق بجلدها. امرأة شابّة تعيل وتربي بامتياز أربعة أطفال صغار، بينما كان أبو الأطفال يمارس العنف ضدها وضدهم. بذلت قصارى جهدها لتبتعد عنه بعيدًا، لكنه حرص دائمًا على ملاحقتها وبث الرعب في قلبها. دخل عصام إلى هذا العالم المُمزق وساهم في إصدار أوامر حماية واحد تلو الآخر. وفي نضالها من أجل سلامة أطفالها، علمت لـ(عصام) معنى الشجاعة الحقيقية.

وكذلك كان (س.) شجاع القلب. في البداية، أثار لدى عصام شعورًا بالإحباط: غرامة وقوف أخرى، غرامة أخرى، إنذار آخر. كاد عصام ييأس، لكن كل شيء تغير في اليوم الذي التقى فيه بـ(س.) وجهًا لوجه. وصل س. برفقة ابنه - فتى في الـ16 من عمره على كرسي متحرك، مشلول كليًا تقريبًا. الأب لم يتركه لحظة واحدة: كان يرتب ساقيه، يسند رأسه، يتحدث إليه برفق. أدرك عصام أن المخالفات لم تكن ناتجة عن إهمال، بل عن تفانٍ بلا حدود. كان الأب يأخذ ابنه معه إلى كل مكان وتراكمت الغرامات بسبب خطأ الأب الذي ظن أنه يُسمح الوقوف ببطاقة معاق في أماكن غير مسموحة. ساعد عصام هذا الأب بكل طريقة ممكنة: توجهات لمحامين، محادثات مع البلدية، فحص دقيق لكل ملف وملف، ومفاوضات مطولة حول ديون بدا ظاهريًا أنه لا سبيل لمحيها. في النهاية، وبشكل يعجز عصام نفسه عن تفسيره، مُسحت جميع الديون تقريبًا. بالنسبة لعصام، كان ذلك درسًا مذهلاً في محبة الأب لابنه.

"أحيانًا أتساءل: هل ما أفعله كافٍ؟ أحيانًا أشعر بأنه لا. في مرات عديدة أشعر أن شيئًا ما ينقص، وأنه يجب الاستثمار أكثر، وبقدر ما نستطيع."

باعتباره الرجل الوحيد في الطاقم، فإنه يجلب معه صوتًا رجوليًا منصتًا، حاضرًا ورقيقًا. ومن المهم جداً لديه أن نواصل نفس الرؤية، وأن ندفع بعضنا البعض للتقدم من أجل النهوض بالمكان. إنه يحافظ على المحبة داخل مجموعة تحمل على ظهورها حروب شعوب. وهو يربط - بين اليهود والعرب، بين الأنظمة الكبيرة والناس الصغار، بين المعرفة المهنية والحدس الإنساني، بين عالم عاصف ووفاء ثابت. رسول سلام حقيقي.

وهو يؤمن بأنه ليس مصادفة أن يتواجد المركز تمامًا في المكان الذي ينزف فيه الجرح الإسرائيلي-الفلسطيني، وبأنه ليس مصادفة أن يتواجد هو، عصام، هنا. وهو يود لو يغرس هذا الإيمان فينا جميعًا: إذا كنا هنا الآن، فنحن على الأرجح جزء من الحل.

"نحن أمل حي بأنه نعم يمكن العيش معًا، رغم كل التحديات."