الوجه كَهَوِيَّة
الإنسان ليس مجرد طرف في نزاع؛ لديه قصة حياة، ومجتمع يعيش فيه، وظروف ماضیة، وقدرات حاضر، وإمكانيات مستقبل، وفرصة لإحداث التغيير.
أحيانًا يكون الأمر قرارًا إداريًا سلطويًا. وأحيانًا مسألة بيروقراطية معقدة - نموذج لم يُستوعَب، حق لم يُستوفَ، نظام يعجز عن رؤية الصورة الكاملة.
في مثل هذه اللحظات، يبحث الناس عن شيء واحد: إنسان. ليس موقعًا إلكترونيًا آخر، ولا نظامًا آليًا جديدًا، ولا استمارة أخرى للتعبئة. إنهم يبحثون عن: وَجْه.
ينتظر الناس في الطابور، في اللجنة، في الجلسة - أملًا في لقاء شخص ما يرَاهم، وربما يستمع إليهم، وربما يقدم العون. هذا الاحتياج أصيل ومغروس في عمق التجربة الإنسانية وفي اللغة نفسها.
عمق كلمة «وَجْه»: كلمة «وَجْه» (وجمعها وُجُوه) هي من أعمق الكلمات في اللغة. ليست مجرد عضو، بل هي تعبير عن الهوية، والإدراك، والوجود. يرتبط الوجه بالتوجّه والإقبال؛ فالوجه هو ما يلتفت به الإنسان إلى العالم، وما يلتفت به العالم إلينا. ومن خلال الوجه نتعرف على الأشخاص، ونفهم المشاعر، ونحقق أعمق لقاء إنساني: وجهًا لوجه.
وتستند المبادئ الأساسية في عالم القانون إلى هذا المفهوم؛ فالإجراءات القضائية تتم «أمام وجه القاضي» (وجاهيًا بين يديه). ويُحظر على القاضي «المحاباة» أو «تمييز الوجوه» (المادة 6 من قانون الأساس: القضاء، وكما هو مأخوذ من المصادر التراثية الأصيلة: "لا تَهَابُوا وَجْهَ إِنسَانٍ فِي الْقَضَاءِ"). القاضي ممنوع من منح احترام أو تفضيل غير موضوعي لأحد الأطراف بسبب مكانه أو معرفة شخصية أو عامة. عليه أن يرى ويسمع، وأن يتعرف على الوجوه الإنسانية للأطراف على حد سواء قدر الإمكان. إن تحقيق العدالة وظهور وجه العدالة يرتكزان على سؤال: هل وكيف نرى وجه الآخر، وهل وكيف نتيح له أن يُرَى؟
إذا صعُب على الإنسان أن يُرَى ويُسمَع وأن يقف بمفرده أمام القاضي، يحق له إرسال ممثل عنه. الوكيل - المحامي - يصبح الوجه العلني لموكّله: عليه أن يعرض وجهه، وقصته، وحججه. فوجه الوكيل كوجه الموكل: "رسول المرء مثل قَدَمه ووجهه".
في الواقع الحديث، يختبر كثيرون الإجراء القانوني كتجربة جافة ومغتربة، بينما تظل قصتهم الشخصية، وضائقتهم، وأملهم خارج المحضر (الفروتوكول). يتحول الناس إلى "ملفات"، "أطراف"، أرقام إجرائية، أو بيانات في قواعد المعلومات.
وهنا يأتي القانون العلاجي (Therapeutic Jurisprudence) ليذكرنا أن نسأل: كيف تؤثر القوانين والأنظمة والإجراءات على الإنسان؟ كيف يمكن تقليل الآثار الضارة مثل القلق، والاغتراب، والشعور بالإهانة؟ وكيف يمكن تعزيز الآثار الإيجابية مثل الشعور بالعدالة، والإقرار، والمسؤولية؟
إن القوة الشافية للقانون تنبع من القدرة على النظر إلى ما وراء القاعدة الجافة، إلى قلب الحالة وإلى الإنسان الواقف أمامها - تجاوزًا لحرفية القانون ورعايةً لروحه (لِفْنِيم ُّورت ).
الإنسان ليس مجرد طرف في نزاع؛ لديه قصة حياة، ومجتمع يعيش فيه، وظروف ماضیة، وقدرات حاضر، وإمكانيات مستقبل، وفرصة لإحداث التغيير.
القانون يمثل لقاءً إنسانيًا، ولكي يحقق غايته، يحتاج إلى قاضٍ يصغي، ومحامٍ يتحدث بأسلوب مباشر وعلى مستوى العينين، وإجراء يتيح للإنسان إسماع صوته.
القانون ليس مجرد آلية حسم، بل هو مساحة لأخذ المسؤولية والشراكة. عندما يُرى كأداة باردة، تتآكل الثقة به. وعندما يُرى ببعده الإنساني، يتحول إلى مصدر قوة.